"المسرب"...بين الثنايا
المسرب ليس طريقًا مختصرًا،
بل شرخٌ في جدار العادة،
تمرّ منه الأشياء التي تظنّ أنك نسيتها،
ويأخذك إلى حيث لم تجرؤ أن تمشي بكامل وعيك.
*********
أطفأ الأنوار واستلقى في فراشه، يطلب قسطًا من الراحة. كان الجوّ في الخارج قارسًا، والرياح تصفر بعنف،
تحاول اقتلاع كل ما يعترض طريقها من أشجار ,... أعمدة الهاتف..حتى نباح الكلاب قد اختنق في الزّوايا..
تكوّر تحت الغطاء وأطلق العنان للذّكريات. تذكّر الغابة و المدرسة والدّكاكين. وعاد به الزّمن إلى ذات
مساء..حين عاد من المعهد وقد أنزلته الحافة في وسط القرية. وكان عليه أن يقطع المسافة إلى البيت
راجلا، في طقس يشبه طقس اللّيلة.
ليلتها...، لم يختر الطريق الطويلة بل سلك المسرب الذي يشقّ المقبرة. كان المسرب ضيّقا قد امتدّت على
حافتيه سوق الأعشاب يابسة صلبة كأنّها أيد نحيفة تنبجس من تحت التّربة لتعطّل سيره ولو قليلا....
تتناثر القبور هنا وهناك ثابتة لا تتزحزح كأفكار ثقيلة وقعت في أسر التّردّد.
كان يمشي بخطى حذرة، لا يرى سوى خياله يرتجف على الحائط المائل...
ثمّ جاء الأزيز..صوت يشبه قرقعة محرّكات تعمل تحت الأرض أو فوقها في أركان مظلمة...
... لم يكن صافي الذهن بما يكفي ليحدد..المصدر...
كان الصوت يحتدٌ شيئًا فشيئًا، كأنّ الأرض تنذر بانفجار أو تستعدّ لتبتلع كل حركة..
ارتبك وتسارعت أنفاسه...ركض بأقصى سرعة يحاول الإفلات من صمت المقبرة المدوّي..ومن نظرتها
المخترقة للظلام.
الآن، يتقلب في فراشه. يعود إلى وضعه على جنبه الأيمن.
بدأ صوت العاصفة يخمد..ثقل جفناه واسترخى جسده بالكامل.....
ازيز المقبرة...يعود الليلة ...هذه المرّة أقوى كأنّ جسما ضخما يقترب ليرتطم بالأرض.....
وفجأة يرى وابلا من الأوراق المتناثرة قد انهمرت في كلّ اتّجاه تساقط بعضها على الفراش وبعضها على
وجهه والبعض بجانبه....
تمتلئ الغرفة وتشلّه الدّهشة..فيتلفّت حوله كمن استفاق في عالم آخر.....
تناول ورقة بيد مرتجفة، حدّق فيها طويلاً وإذا بها تنفتح على مشهد يعرفه جيّدا: طفل يركض وراء عصفور
جريح
وضحكات أمّه تأتي من النّافذة.
ورقة ثانية.... قاعة امتحان طفل يكتب ومراقب يتابه حركاته بانتباه.....،
ورقة ثالثة... موكب جنازة شيخ...تتبعه جنازة عجوز..تتبعهما جنازة طفلة..
يرى يده تمسك بيد والدته..قلبه ينكمش لكنّه لا يفهم...
أوراق..أوراق....أوراق.
جنازة،...شيخ....
كل ورقة باب....
كل مشهد،.. ومضة من زمنٍ مضى،..
.. حياة تتفتّت في ذاكرته...
كما تتفتّت الأوراق بين يديه.
بعض الأوراق رمادية، باهتة.
صفعة..قويّة....
صرخة في الليل.
أبواب أُغلقت في وجهه....
ثمّ… ورقة بيضاء.
لا صورة فيها.
فقط البياض...
، كأنها تنتظر أن يكتب لا أن يتذكّر....
رفع رأسه......
الغرفة خالية.
الصمت يسدل ستاره...
خارت قوى العاصفة...
فارتمت على الاسفلت لاهثة....
استلقى من جديد، وابتسم.
ثم أغمض عينيه، ونام.
*********
ليس كلّ ما يُطرق في الظلمة حلمًا،
أحيانًا تكون الذاكرة هي التي تأتي،
تخلع نعالها على عتبة النوم،
وتجلس أمامك، تفرش أوراقها،
تطلب منك أن تنظر…
لا لتتذكّر،
بل لتعبر.
حبووووب
تعليقات
إرسال تعليق