في هذه المدونة كل القصص واقعية تستمد قوّتها من احداث صادقة عشتها فعلا
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
"العبّيثة" (1)ـــــ شبح الوادي ــــ
كانوا خمسة يجلسون تحت شجرة زعرور عتيقة على أطراف الحقل يستظلون من حرّ النّهار،
بعد ساعات من العمل المضني في مستهلّ موسم الحصاد.
الهواء يلسع
الجلد والعرقيقطر من الجباه.لكنّ الحديث لا ينقطع.
خبز و قليل
من السلطة المشويّة و شاي أحمر قد أحضر للتّوّ لإزالة بعض الإرهاق.
كانت
ضحكاتهم ترتفع حينا وتنقطع وايديهم
وافواههم لا تتوقف عن تناول الطّعام.
تلقّف عبّاس
لحظة صمت المجموعة ليقول وهو ينظر إلى
الوادي:
ــــ كلّما
أبصرت هذا المكان تذكّرت أمسيّة الرّعب الّتي عشتها ذات يوم.
نظروا إليه جميعهم ، وردّأحدهم مبتسماً:
ــ حكاية
العبيثة؟ سمعنا عنها…اروها لنا بربّك..
ضحك عبّاس
وقال:
ــ أعرف
أنّه من الصّعب تصديق الحكاية … لكن سأرويها و رب شاهد على كل كلمة
أقولها
تنحنح وبدأ يسرد..
لم أكن أقصد الوادي في ذلك اليوم، ولم يكن لي فيه شأن أقضيه.كنت فقط أبحث عن ظلّ
أحتمي به من
لفح الهاجرة. لكن قادتني قدماي إلى حيث تنبت أشجار "الدفلى"..
كانت
النباتات متشابكة دون نظام كفوضى أحزان غامضةتثقل صدور الثكالى..
وقفت عند بداية الانحدار، أنظر إلى مجرى الماء على الطين اليابس.بدا لي أن كل شيء كان
مألوفا عاديّاً ، ما عدى أمر غريب لفت انتباهي هو أنّ رغم هبوب هواء ثقيل فإنّ أغصان
"الدّفلى " لا تتحرّك. كأنّ الرّيح ممنوعة من دخول الوادي. وبينما أنا أحدّق في الأشجار
سمعت:
ـــ تعال (إيجى)..:
صوت
امرأة...، خافت كأنه يخرج من جوف الأرض. لم أردّ لظنّي أنّه وهم..
لكن الصوت
تكرر… مرة، ثم أخرى،
حتى
صارملحًّا بشكلمحيّرِ ،
ـــ تعال...تعال...تعال....
كأنه صوت من يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.نزلت المنحدر ببطء.وكنت كلما خطوت خطوة
انحنت شجيرات الدّفلى لا لتمنعني من
العبور بل كأنّها تر؛ّب بقدومي....
الرائحة هناك لم تكن رائحة ورد،و أعشاب بل خليط من روائح ماء آسن وبقايا شيء متعفن و
سوائل
تشبه الطّلاء.
أنا الآن على
حافة مجرى الماء حين رأيت حركة بين الأغصان. لم أهرب...لم
أصرخ..
بقيت
واقفًا… كأن روحي ألزمت جسدي بالتسمّر بالمكان......
فجأة، خرجت
امرأة من بين"الدّفلى". عيناها تشبهان المساء حين يخونه الضوء.
وشعرها منتفش كأنّه نشأ وترعرع في مهبّ رياح عاتية. لكنّها كانت جميلة ككل البدويّات
الكادحات....
قالت بصوت
خافت:..:
ــ كنت
أنتظرك منذ مدّة طويلة...ــ
لم أجب...اقتربت
منّي ووضعت يدها على كتفي. أحسست بقشعريرة تكسو كامل جلدي.
أردفت قائلةً:
ــ كنت أراك فيما قبل تأتي إلى هنا قرب العين..… ثم انقطعت عن المجيء... لماذا
منعوك...؟؟ أم خوّفوك
من المطرقة؟؟
وحين سمعت كلمة “المطرقة.".لمع شيء في ذاكرتي”…
رأيت نفسي
طفلًا...وجدّتي تحدّثني...عن امرأة مسكينة...قتلت هنا...
أتكون هي
نفسها ؟؟.
لقد ضربها زوجها بمطرقة على أمّ راسها فوقعت في العين بلا حراك. فسحبها ومدّدها بين
الأشجار ثم انصرف وهو يهذي مردّدًا لكل من اعترض سبيله:
"انتهت...انتهت...."....…
لكنها لم
تنتهِ.ها أنا أراها وأسمع انفاسها......
جف ريقي،
وصار الهواء أثقل كأنّ الوادي قد استعاد أنفاسه بعد سبات طويلٍ..
كانت ثابتة، كتمثال
حي عندما قالت:
ـــــ جزء
منّي مازال هنا تحت هذا الوحل...
تقدّمت دون
وعي منّي .شيء داخلي كان يدفعني..ليس خوفا بل فضولاً..
رأيتها
تُجرّ جرّاً كأنّ الأرض تشدّها إليها . سألتها:
ــمن أنت ؟
قالت::
ــ أنا صرخة
امرأة مقهورة. أنا وردة قطفت غدراً.ــ
ثم أشارت
إلى الأرض.:
ــ احفر
هناك....
انحنيت
وبدأت أنبش بيديّ كالمسحور.جرحتني الأشواك لكنّي واصلت حتّى لمست شيئا بارداً لزجاً. إنّه
دم. تراجعت مذعوراً..
قالت بهدوء::
ــ أ فهمت
الآن… بعضي بقي هنا لم
يدفن..خذه وادفنه في المقبرة القريبة ن هنا......
تذكرت الاسم
الذي كانت جدتي تردده فقلت :..…
ــ عرفتك…
ابتسمت...و
اختفت..كأنّها عادت إلى التّراب.
أمّا أنا
فعدت إلى منزلي. شارد الذهن...
في تلك
الليلة ن هطل المطر غزيراً كأنّه يغسل آثار أقدامها.
وفي الصباح،عدت
إلى عين المكان حيث اختلطت التّربة بالدّم..
جمعت كلّ ذلك في كيس...ونقلته إلى المقبرة حيث واريته ترابا...
ومنذ ذلك
اليوم لم
يعد أحد يتحدث عن صوت
سمعه أو شبح رآه قرب "عين الدّفلى"
حبوووب.
تعليقات
إرسال تعليق