في هذه المدونة كل القصص واقعية تستمد قوّتها من احداث صادقة عشتها فعلا
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
ليلة الأبطال(1): قوّة غريبة
كانت ليلةً ليلاء، أدغمت فيها الأرض بالسماء، وامتزج فيها البرد بالمطر والريح، و التحف فيها المكان بحزن ...شديد
تجمعنا في منزل خالي، نواسيه ونواسي أبناءه إثر مصاب جلل: وفاة زوجته وابنه البكر في حادث انقلاب جرّار .عجّل برحيلهما.
كنّا جمعًا غفيرًا نجلس حلقات حول كوانين جمر من خشب الصنوبر، نلتمس الدفء ونستمع في خشوع إلى ما يردّده الشيوخ.
قرأوا في البداية ما تيسّر من القرآن، ثم
ترحّموا على الفقيدين، وجعلوا يتناوبون على إنشاد المدائح والأذكار.
مدحوا الرسول، وابنته فاطمة، وتحدّثوا عن وحشة القبر ويوم الحساب.
ثم أنشدوا “ملحمة علي بن أبي طالب ورأس الغول”، فتواترت التعاليق من هنا وهناك، والكل يشيد بقوة ابن عم الرسول وبطشه بالأعداء.
قال أحدهم:
ـــ في ذلك الزمان كان الناس عمالقة، أقوياء كالأسود. كان يكفي أن يزعق الصحابي زعقة حتى يسقط ثلاثة أو أربعة من العلوج مغشيًّا عليهم، فيأخذهم بين يديه كالفراخ ويعود بهم إلى مضارب العسكر.
حينها تنحنح الشيخ سعد، وكان متكئًا على مرفقه، ثم استوى جالسًا وأسند ظهره إلى الحائط، وقد اتقدت عيناه حماسة، وقال:
ـــ القوة ليست حكرًا على القدماء وزمن الصحابة والأنبياء. أعرف حادثة وقعت منذ مدة غير بعيدة، أظهر فيها صاحبها قوة أغرب من الخيال.
اشرأبت الأعناق، وبرزت العيون متسائلة:
ـــ كيف ذلك؟
ـــ اروها لنا يا شيخ سعد.
ابتسم ابتسامة الواثق من قوله، وقد أحسّ أنه أصبح مدار شغف الحضور، ثم قال:
ـــ التقينا ذات ربيع راعي أغنام في ريعان الشباب، قوي البنية، عريض الكتفين، مفتول العضلات، إلا أنه كان أدرد الفم.
فسألناه مستغربين:
ـــ ما تزال شابًا، فكيف فقدت أسنانك جميعها؟
فتردد قليلًا ثم قال:
ـــ قصتي عجيبة غريبة. ليس لعامل السن علاقة بما حدث لي.
ثم بدأ يسرد:
ـــ كنّا، أنا وثلاثة من أترابي، نعيش ـ سامحنا الله ـ من النهب والسرقة والاستيلاء على أرزاق الناس.
وذات مساء كنّا نجلس بأعالي جبل “كبوش”، وهو جبل تشرف قمته على الطريق المؤدية إلى مدينة الكاف، وتتفرع عنها طريق تقود إلى مدينة السرس. كنّا نراقب الطريقين علّنا نعثر على صيد.
فإذا بمجموعة من الحمير، عددها عشرة أو يزيد قليلًا، يحمل كل واحد منها كيس قمح تفوق كتلته القنطار. وكان يتبع القطيع رجل ربعة، يكاد طوله يساوي عرضه.
وكما سقط كيس أسرع إليه، فأخذه بكلتا يديه وأعاده إلى ظهر الدابة رميًا.
فقلنا في أنفسنا: إن أبدى مقاومة عنّفناه وقيّدناه، ثم استولينا على الحمولة.
قال: تسلحت بعصا زيتون غليظة صقلتها حتى صارت كالسيف، ثم اقتربت منه خلسة ورفاقي خلفي.
وضربته على أمّ رأسه ضربة خلت معها أن جمجمته ستنفجر وتتحول إلى فتات.
لكن الرجل التفت إليّ وقال بهدوء:
ـــ جبان.
قال: فغاظني ذلك، واستجمعت كل قواي وسددت له ضربة ثانية أشد من الأولى.
فاستدار بسرعة، وأبعد العصا بمهارة، ثم أمسك برأسي تحت إبطه، وضغط بيسراه على فكي حتى انفتح فمي، وجعل بيمناه يقلع أسناني سنًّا سنًّا ويلقي بها بعيدًا.
حتى أتى على القواطع والأنياب والأضراس، وأنا أصيح وأستغيث، ثم أغمي عليّ، ولم أستفق إلا مع أذان الفجر، فوجدتني كما ترون.
أنهى الشيخ سعد قصته، ولمّا لاحظ شيئًا من استغراب الحضور أردف:
ـــ الضحية ما يزال حيًّا، يرعى الأغنام، ومسكنه غير بعيد من هنا.
فقال بعضهم:
ـــ قوة رهيبة فعلًا.
ـــ رجل بألف رجل.
أما نحن فكنا نتغامز ونتلامز، متيقنين أن الحكاية لا تعدو أن تكون من نسج خيال محدّثنا.
في تلك اللحظة أخرج الشيخ المنصف علبة “النفّة”، وأخذ منها مثقال ذرة بين سبابته وإبهامه، ثم استنشق “ضربة” بمنخره الأيمن وأخرى بالأيسر، وقال وهو يعيد غطاء الحقة بإحكام:
ـــ حكاية غريبة، لكن عندي ما هو أغرب منها… ولعلّ الشاب الذي سمعتُ عنه أقوى من هذا الرجل.
التفتنا إليه جميعًا وقد أعجبنا هذا التسابق نحو سرد البطولات، فقلنا:
ـــ اروِ لنا قصته يا سي المنصف.
فقال:
ـــ حسنًا… أتعرفون منطقة تسمّى “عقبة الهمّاما”؟
ـــ نعم، نعرفها… منطقة جنوب قرية برج
المسعودي، متصلة بالجبل…
(يتبع
تعليقات
إرسال تعليق