في هذه المدونة كل القصص واقعية تستمد قوّتها من احداث صادقة عشتها فعلا
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
العبيثة(2): شبح الأحد
قال عباس وهو يرتشف جرعة ماء.
ــ وروسكم ... يا رجال. منذ ذلك اليوم وأنا أعاني من أرق فظيع..ـ
ضحك "بوقرّة" وقال:::
ــ
تعاني الأرق من حادثة بسيطة..؟
كيف تغدو لو عشت ما عشته أنا ذات ليلة؟ حكايتي أنا ترعب الشياطين
و تخيف العفاريت...
نظر إليه الجميع باهتمام، فقال:::
لم تكن غابة "بوكحيل " بعيدة عن
المدينة، لكنها بعيدة بما يكفي للمترجّل الباحث عن فريسة يصطادها.
بين أشجار الصّنوبر ذات الصّمغ الكثيف كانت
تقبع بناية منسيّة لا أحد يهتمّ بها.
ولا أحد يذكرها إلا على سبيل التّهويل. قالوا إنّها كانت كنيسة يتوجّه لها المستعمرون كل صبيحة أحد لأداء طقوسهم التعبّديّة فتقرع فيها الأجراس ويتلى فيها ما تيسّر من الأناجيل ويفصح في أركانها البعض عن خطاياهام ويطلبون المغفرة. وحين رحلوا تعرضت البناية إلى التخريب ولم تبق منها سوى بعض الهياكل المنتصبة كأنّها تتحدى الزّمن وتأبى الرّحيل
في مساء يوم بارد. حملت بندقيّتي وخرجت لصيد
الأرانب كعادتي. وكان المطر خفيفا يتناثر على أوراق الأشجار فيحدث إيقاعا خفيفا
ينسجم مع سكينة الغاب. كنت أتقدّم وحذائي يغوص من حين لآخر في الوحل.لم يكن ذلك
ليزعجني لأنّي خبرت التّنقّل في البرّيّة في مثل هذه الظروف المناخيّة..
فجأة تحوّل الجوّ إلى عاصفة رعديّة. فأخذت
الرّياح تصفر كأنّما الغابة تصرخ من الم التّاريخ الغابر. وفتحت السماءابوابها لـتغرق اليابسة في برك آخذة في الاتّساع.
ركضت أبحث عن مأوى حتى بلغت تلك البناية القديمة المتآكلة اطرافهاكأنّ الزّمان قد
نهش منها مثلما تنهش السباع فريستها.
دخلتها مسرعًا. توقّفت عند العتبة.رائحة خشب قديم وزجاج مكسور قد تناثر هنا وهناك. وماء المطر يسيل على الجدران
المكان ساكن لا حركة فيه ولا شيء ينبئ بوجود
أحد غيري. مددت يدي نحو الجدار أتحسسه فوقعت على
شكل صليب محفور.ثم التفتّ ويا لهول ما رأيت: ثلاث شمعات مشتعلات في
الزّوايا المقابلة أمّا الزّاوية الرّابعة فمظلمة. تقدّمت ماسكا ببندقيّتي متأهّبا
لإطلاق النّار.
كان الرّكن المظلم مملوءا رمادًا وكانت جدرانه سوداء تحمل أثر نار..وما إن وضعت قدمي في اتّجاهه حتّى انطفأت
الشّموع وغطست الكنيسة في الظّلام
الدّامس.ثمّ سمعت صوتًا:
ـــــ
محمد بوقرّة جئت؟
لم أقدر على تحديد مصدر الصّوت. أهو من أمامي
؟أم من ورائي ؟أم من داخلي أصلا؟
لم يكن صدى الصّوت مخيفا بل ناعما فيه حشرجة
خفيفة كنسمات صيف عندما تخترق غابة
قصب. نظرت حولي ودون تردّد نطقتُ:
ــــ
من هناك؟
لم يجبني أحد لكنّ شيئا تحرّك خلفي استدرت
بخفّة فإذا امرأة عند مدخل الرّكن. تلبس
لباس الرّاهبة قد تبلّل ثوبها حتّى
التصق بجلدها. وجهها نصف مغطّى بالظّلّ ولا تظهر إلاّ عينا واحدة ...حدّقت في وجهي
وقالت :
ـــــ المكان مازال يحفظ أسراره وأنت جئت تحمل
المفتاح..
اقتربت خطوة وأضافت
ــــ من قال إنّهم قد رحلوا؟
أردت التّراجع لكنّ قدمي انغرست في الأرض كما لو أنّ الجذور قد شبّكت بي."
ــــ من قال إنّهم لن يجدوا من يصلّي بدلهم؟
لمع شيء في أصبعها..خاتم أبيض مائل إلى
السّواد.ارتجف قلبي .لقد رأيت هذا الخاتم
في صورة مجلّة قديمة عند جدّي ، كانت الخاتم في يد كاهن قيل
عنه أنّه أحرق في الكنيسة ذاتها..
قالت لي:
ــــ كلّ يوم أحد نحتاج إلى من يكمل الطقوس..وها قد
جاء دورك..لتكمل الصّلوات..
بدأت أفهم..أنّ هذا طقس
غير مكتمل ...صلاة بقيت مفتوحة ويجب
أن تغلق..
كانت الأرض تحت قدميّ تزداد برودة.
والهواء من حولي كأنّه يسحب من رأتيّ.
صرخت:
ـــ
أنا لست منهم..لم أجئ للصّلاة بل جئت
اختبئ من المطر..
ضحكت ساخرة وقالت
ـــــ
كلهم يأتون للاحتماء من شيء ..و
أنت مثلهم دخلت الرّكن فيلبسك من فيها.
وانطفأ كلّ شيء ووجدتني
وحيدا وسط الظلمة وأحسست بمرافق
تلكزني وصوت يصعد منّي يردّد "أكمل
الطّقس..أكمل الطّقس..أكمل الصّلاة...حررنا..."
فصرخت :
ــــ
أنتم لستم أحياء.أنتم أموات أنتم تحررتم من هذا المكان منذ مدّة...فلا طقس
ولا صلاة قادرة على تحريركم من جديد....و....
لم اكمل تفاصيل فكرتي حتى هدأ كل شيء ثمّ وجدتني خارج الخربة متّجها إلى منزلي.....وقد هدأت الرياح
و انقطع المطرو...
قال احد الجماعة:
ـــــــــ يعني كل وجه من وجوه "العبيثة."...فيه حكاية لم تكتملالوادي فيه دملم يدفن..
و الكنيسة فيها طقوس لم تنجز......
...ـــــ أي أي استنتاجك سليم
حبوووب
تعليقات
إرسال تعليق