في هذه المدونة كل القصص واقعية تستمد قوّتها من احداث صادقة عشتها فعلا
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
كيف تنشأ الأشباح ؟ ــــــــ
من أين جاءت “العبيثة”؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعينا بكنه الأشياء كان محدودًا…
كنّا صغارًا، وكانوا كبارًا يسبقوننا تجربةً وخبرة، ولا تعوزهم الحيلة.
جدّي وجدّتي، أمّي وأبي، خالي حسونة، وجارنا “أبي مصباح” وزوجته “الخالة حسنية”…
رحمهم الله جميعًا.
كانوا يربّوننا وفق مقاربات بسيطة، لكنها شديدة التأثير، تعتمد أساسًا على ثلاثة أساليب:
1 ـ الترهيب (الوعيد)
شعار المرحلة كان واضحًا:
“العصا لمن عصى”.
إن لم تنضبط، تُعاقب.
وتشتد العقوبة كلما لاحظوا فيك نوعًا من التمرّد.
كانت التهديدات تتكرّر خصوصًا في ظهيرات الصيف، حين نرفض القيلولة ونقلق راحة الكبار.
فتنزل بنا عقوبات جماعية، كالحرمان من اللعب أو الخروج.
وترتفع بعدها أصوات البكاء والعويل،
ويمتزج الدمع بالندم…
وتتوالى الوعود بالطاعة والانضباط.
2 ـ الاحتواء والمقايضة
وهي مقاربة تقوم على نوع من “الخبث البيداغوجي” غير البريء.
يعتمد فيها الكبار على المدح والمجاملة والإطراء المبالغ فيه،
فنستسلم لما يُطلب منا، مصدّقين ما قيل فينا،
وطامعين في مكافأة قد تتأجّل…
أو في مقابل زهيد لا يتجاوز بعض الملّيمات.
3 ـ التخويف… أو زعزعة الإحساس بالأمان
وهنا تظهر “العبيثة”.
العبيثة التي تخرج وقت الظهيرة صيفًا لتختطف الأطفال الذين يرفضون النوم.
والعبيثة التي تتجوّل ليلًا قرب الأودية والغابات.
والعبيثة التي تأتي في المنام لتخيط عيني الطفل الذي يقتل حيوانًا عبثًا.
ثم يظهر “شيخ الكانون”،
ذلك الكائن الذي يخرج من المدفأة ليخنق الأطفال الذين يفضّلون السهر قرب النار ويرفضون النوم…
عوض أن يشرح لنا الكبار السبب الحقيقي للاختناق:
نفاد الأكسجين وامتلاء الغرفة بثاني أكسيد الكربون.
لكن دور “العبيثة” لم يكن ثابتًا.
فأحيانًا تتحوّل إلى مراقب خفيّ ورادع لكل سلوك مستتر،
وأحيانًا أخرى تصبح مادّة للتسلية وإضفاء جوّ “هيتشكوكي” على سهرات الجدّات.
فكم من رجلٍ ـ كما كانوا يقولون ـ اختطفته امرأة جميلة ترتدي حليًّا نادرة، ولم يعد…
وكم من صوت شجيّ انطلق من عمق الغابة، فتبعه صاحبه حتى سُمع آخر نداء له:
“أنقذوني… أنقذوني…”
ثم اختفى،
لتنبت مكانه زهرة حمراء تقطر دمًا.
هذه المقاربات التربوية، المعتمدة طويلًا في أوساطنا الشعبية،
مقاربات مدمّرة للشخصية…
ليت الكبار كانوا يدركون ذلك.
فمنها ينشأ الجبان،
والخوّاف،
والكذّاب،
وأحيانًا المرتشي والعنيف والأنانيّ أيضًا.
لكن عالم الأشباح بدأ يتراجع تدريجيًا،
مع انتشار وسائل الإعلام، والبرامج التوعوية، وارتفاع منسوب الوعي بأساليب التربية السليمة.
ورغم ذلك…
ما تزال “العبيثة” حيّة في الذاكرة،
تتجوّل بين الحقول القديمة،
وتختبئ في حكايات الجدّات،
وتطلّ أحيانًا من ثقوب طفولتنا البعيدة.
تعليقات
إرسال تعليق