في هذه المدونة كل القصص واقعية تستمد قوّتها من احداث صادقة عشتها فعلا
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
"خردة عزوز" معاناة الأرياف..
ــ ركّزوا… أبنائي، أقرؤوا السند جيّدا..افهموا
التّعليمة وحدّدوا المطلوب، لا تتسرّعوا..
كانت تردذدها وهي تو.ّع أوراق الاختبار، وعيناها تجولان بين التّلاميذ. اشرابّت أعناقهم نحو الأوراق و انبروا
يلتقطونها كمن يلتقط مصيره بين يديه..
ــــ معلّمتي…إنّه سهل...
ــــ لقد رأينا ذلك من قبل.
ــــ إييــــاي… والله كشربة ماء…
ــــ بحسنا… اجلس… واقرأ قراءة صامتة
وخيّم السكون لم يعد يُسمع إلا صرير المناضد
المهترئة… وهمسات متقطّعة::...
"قلم أزرق… من له قلم أزرق؟… …"
نهضت، ومدّت قلمها دون كلام… وعاد الهدوء....
لكن الامتحان… لم يكن هادئًا داخلها. لقد أعادها دفعة واحدة إلى أيّام الأسبوع المغلق حين كانت في
الثانوي تحرث الكتب وتزرع الاستنتاجات.وتحفظ الشواهد عن ظهر قلب. وتسهر خفية بالمبيت تحل
التمشكلات وتناقش الحلول..كانت تحسّ بأنّ كل اختبار هو
خطوة نحو تحقيق وعدها لامّها بأن تصبح طبيبة.
لم تترك للكسل منفذا ولم تعرف "
الغش"مهما صعب الامتحان.
مرّت الأيّام بطيئة تارةً، مسرعة طوراً.حتّى وجدت نفسها بالباكاللوريا..ثم في الجامعة في غرفة ثنائيّة في قلب
العاصمة.
هناك اكتشفت عالمًا آخر: صديقات مثقّفات مسيّسات حدّثنها عن منظذمة اتّحاد الطلبة وعن التّيّارات
السّياسيّة و الشعارات...(نقاثو)..(وطد)..(بوكت)..(عود)..كانت تسمع ولا تعلّق وعندما تختلي بنفسها تغربل
وتصنّف ، تحاصر التّناقضات
وتستنتج..
لكنّهم كانوا يستغربون من ردودها الجافّة ومواقفها الصّلبة حتّى أنّها لم تترك لهم بابا للتّقرّب ولا ممرّا
للتودّد.
لم تكن
هكذا في بداياتها. حادثة واحدة كانت كفيلة بتغييرها من أنثى ناعمة إلى بنت صارمة قويّة.
حادثة جدّت بـــ "خردة " العم عزوز..
ـــــ
أنيستي...صحيح هكّا؟
ــــ أنهيت عملي..
هاهي تجمع الكراريس كمن يجمع شتات فكرة حائرة.
رنّ الجرس. تدافع التّلاميذ خارجين "إلى اللّقاء معلّمتي ".وقفت تنظّم خروجهم وعيناها تبحث خارج البوّابة عن
سيّارة " النقل الرّيفيّ"..
صعدت..جلست خلف السّائق وتحرّكت السّيّارة..وتحرّكت
معها سلسلة ذكريات قديمة..
في تلك الأيّام، لم تكن هناك سيّارة للنقل الريفي..بل كانت سيّارة "خردة" تقوم بتأمين النّقل ..الكل يسمّيها
"خردة عزوز" لتهرّؤ مقاعدها ونتوء دواليبها ودويّ محرّكها..لقد
كانت تضيق بالرّاكبين لحدّ الاختناق.
كان العم عزوز يجلسها دائما بالمقعد الأماميّ
إلى أن طلبت منه يوما بأن يتوقّف :
ـــــ
عم عزّوز توقّف باللّه.
ـــــ
ما بك؟
ــــــ
أريد أن أجلس بالخلف..
وراءها كان يجلس رجل في الأربعين تقريباً وخلفه شيخ وعجوز وطفل في الخامسة...العجوزان قد غرقا في
نوم عميق في حين كان الطّفل ينظر من النّافذة إلى الأشجار واعمدة الكهرباء وهي تظهر وتختفي فيردّد
ك "يمشي..ويجيء..يمشي..ويجيء"
أمّا الأربعيني فكان كثير الحركة. تارة ينحني إلى الأمام حتّى تكاد رأسه تلمس رأسها وتسبقه أنفاسه
المشبّعة برائحة التّبغ..فتميل وتتأفّف في سرّها..وطورا يتمطّى ويدفع بجسمه ويديه إلى الأمام حتى يلامس كتفيها. يتقدّم ..يتراجع..كانّه يستفزّ صمتها
امتدّت يده لتلمس خدّها....انتفضت...و أدارت رأسها..أرادت أن تصرخ..أن تبصق في وجهه..أن تصفعه..أن تقتلع
عينيه...
ــــ عم عزوز… "توقّف" هنا بالله..….
نزلت وأكملت الطّريق بصمت إلى المنزل. وروت لأمّها ماحدث فلم تجد إلاّ
نصيحة واحدة :
ـــــ
غطّي شعرك بخمار لتتجنّبي المشاكل...
مدّت يدها إلى رأسها تتفقّد خمارها...وذهبت لتمتمدّد قليلاً لتستريح من الإرهاق..كما كانت تفعل وهي
طفلة صغيرة..لقد عاشت هنا مع عشرة إخوة..تقاسموا برد الّلياليمتلاصقين على فراش جماعي تدفّئئ
أجسامهم أجسامهم..كانت وقتها- وهي صغيرة- .. تلتحق بأبيها في دكّانه لتساعده على مدّ حرفائه
بعلب الطّمتطم والهريسة..وتسمع
بعض الرّجال يقولون:
ـــــ
تبارك الله ...كبرت "السّودة"..
لم تكن سوداء بل كانت بيضاء البشرة متناسقة الملامح جمالها طبيعي ككل بنات البادية..لذلك كانت الأعين
تلتهمها و التّعليقات تغمرها...منذ صغرها..
كبرت السودة وهاهي تدرّس أبناء وبنات القرية. بالأمس توقفت أمام منضدة تلميذة صغيرة جالسة
الطّرف منكفئة تشدّ
قلمها كأنّها تدافع عن نفسها تقدّمت منها ووضعت يدها على كتفها وقالت :
ـــــ لا تخافي أنا معك..
حبوووب.
.
ـ
تعليقات
إرسال تعليق